الجواد الكاظمي

345

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

فإقرار هؤلاء مع ثبوت الكتاب لهم حقيقة أولى . والجواب ما تقدّم أنّ اللَّام في الكتاب للعهد ، والمراد التوراة والإنجيل لأنّه المتبادر عند الإطلاق ، بخلاف ما عداهما ، فإنّها ليست كتبا منزلة على ما قيل وإنّما هي وحي يوحي ، ولو سلَّم أنّها منزلة فهي قد اشتملت على مواعظ لا غير ، وليس فيها أحكام مشروعة ، فلم يكن لها حرمة الكتب المنزلة ، وعن الثاني أنّهم ملحقون بأهل الكتاب لقوله صلى اللَّه عليه وآله « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » لا أنّهم داخلون في الآية حقيقة ، وفيما ذكرنا كفاية للمستبصر ، ولتفصيل أحكام الجزية بحث يطول ، فليطلب من محلَّه . الرابعة : [ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ( 1 ) . « وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ » مالوا إليه ، ومنه الجناح ، وقد تعدّى باللَّام وإلى والسّلم : الصّلح والاستسلام « فَاجْنَحْ لَها » وعاهد معهم ، وتأنيث الضّمير بحمل السّلام على نقيضها وهو الحرب « وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ » ولا تخف من ابطانهم خداعا فيه فانّ اللَّه يعصمك من مكرهم ويحيقه بهم « إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ » لأقوالهم « الْعَلِيمُ » بنيّاتهم . وفي الآية دلالة على جواز الهدنة ، وهي المعاهدة على ترك الحرب ، ووضع القتال مدّة معيّنة بعوض وبغير عوض قيل هي مخصوصة بأهل الكتاب لاتّصالها بقصّهم وقيل عامّة منسوخة ( 2 ) بقوله : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » . والحقّ أنّها غير منسوخة ، وأمرها عندنا منوط برأي الإمام ، فما يرى فيه المصلحة يفعله مع الكفّار المحاربين ، وما خلا عن المصلحة لا يجوز فيه ذلك ، كما لو كان

--> ( 1 ) الأنفال : 62 . ( 2 ) وانظر أيضا ما أفاده آية اللَّه الخويي ص 248 من البيان .